الى الفناء جميعُ الخلقِ محشودُ=والمرءُ للموت لا للخُلدِ مولودُ
فيمَ التعلُّلُ والأقدارُ نافذةٌ=والعُمرُ لو مُـدّ فيهِ فهو محدودُ؟!
إنـّا لفي غفلةٍ كبرى فأنفسُنا=تَفنى وحبلُ الأماني البيضِ ممدودُ!
في كلّ يومٍ لنا بالموت موعظةٌ=جلّت ولكننا صُمٌّ جـلاميـدُ
ونحن في هذه الدّنيا على سفرٍ=فكنها حُجِبت عنّا المواعيدُ
مَن ليس رحلتُه في يومه فغدًا=وغايةُ الأمر تقريبٌ وتبعيدُ
والجسمُ كالبيت مهما كنتَ معتنيًا =به فيومًا سيُمسي وهْو مهدودُ
فاحفَلْ بروحِكَ فالأجسامُ باليةٌ=إنّ الترابَ إلى ما كان مردودُ؟!
واقطع رجاءكَ عن حُلْم البقاءِ هنا=إنّ الطّريق إليهِ الآن مسدودُ
لله ما ضمّ ذاك القبرُ من خُلُقٍ=والمرءُ بالخُلُقِ المحمودِ مجدودُ
فيه الحَيا والرِّضا والعلمُ مختلفًا=والرّأيُ والحلمُ والإحسانُ والجودُ
كم آيةٍ في كتاب الله أعجزَه =عن أن يجاوزَها حزنٌ وترديدُ
وسجدةٍ في ظلام اللّيل خاشعةٍ=قوامُها منهُ تسبيحٌ وتمجيدُ
وتمتماتٍ بذكرِ الله خافتةٍ=وطَـرفُه للفضاء الرَّحب مشدودُ
تَبكيهِ سَجّادةٌ شُكّتْ بأَدمُعِهِ=حُزنًا ووِرْدٌ من القرآن معهودُ
ومجلسٌ كان معمورًا ببهجتهِ=وكلُّ مَن حولَه في القلبِ مودودُ
يهشّ للأهل والإخوان من فرحٍ=كأنما يومُ لقياهُمْ به عيدُ
تلذُّ في أُذُن الجلّاس ضحكتُه=ودون ضحكتِهِ الخجلى الأغاريدُ
الطّـيِّبُ الصّادقُ المأمونُ جانبُه=إنّ الوفاءَ بتقوى الله معقودُ
فإن يكن قد مضى عنا بصورته=فطيفُ ذكراهُ في الأرواحِ موجودُ
وحسبُه أنه قد صار بين يَدَي=مولىً تناهى إليه الفضلُ والجودُ
فارحمْهُ ربي فقد أفضى إليكَ وماللعبدِ إلّاكَ مأمولٌ ومقصودُ
<<